تصوير: علي مصطفى رمضان

Shagrouni

 مسألة رجولة..

خالد الشقروني 29-04-2003

نشرت بصحيفة الشطّ العدد 654

 

مقالات

 

 

 

منذ سنوات و أنا في حالة قهر و حزن مستمرين، تحديدا منذ ادراكي بأني لا أستطيع امتلاك الاختراع المسمّى بالهاتف المحمول، أو النقّال. فثمنه مرتفع ، بلغ في أوقات عشرين ضعف المرتب، و محاولات التوفير الجادة كثيرا ما تفشل.

يزداد قهري و حزني كلّما رأيت أحدهم يمشي مختالا تسبقه يده عالية تحمل النقال، ثم يضعه على أذنه كلما اقترب من أشخاص أو همّ بدخول محل أو مكتب أو مجمع لفرح أو عزاء. و كلما كثرت الأعين زاد معدّل ملازمة النقّال لأذنه، فإذا دخل الى سوق أو مجمع تجاري مزدحم و أراد أن يريح يده، ربط نقّاله بسماعة الى اذنه، أراه فأحسبه للوهلة الأولى درويشا يهذي، ثم اكتشف سريعا بأنني الدرويش لا هو.

قد يستنكر أحدكم تفكيري الأعوج هذا، و يقول بأن الدنيا أرزاق، و أن الواحد منا يجب أن يحمد ربّه على ما رزقه ، و لا يتطلّع الى ما هو فوق طاقته؛ خاصة عندما يتعلّق الأمر بكماليات و مظاهر جوفاء، و إلى ما ذلك من الكلام المعتاد. قد أوافقكم الرأي إذا كان الأمر متعلقا بامتلاك سيارة أو جهاز لإستقبال الفضائيات أو مكيّف هواء منزلي؛ أما امتلاك النقّال .. فهنا أختلف معكم .. الهاتف المحمول أو النقال في مجتمعنا ليس مجرد مظهر فارغ ، إنه أبعد من ذلك .. إنها مسألة رجولة!

ربّما الرجل لا تُنتقص رجولته اذا لم يربّي لحيته أو لم يمتلك سيارة أو سيفا. لكن أن لا يمتلك نقّالا فتلك مصيبة و وصمة عار تلزم الرجل بيته.

و لنعد إلى البدايات..

في كل مجتمع توجد رموز لابدّ للرجل أن يستمسك بها ما استطاع، للدلالة على قوته، سطوته، و رجولته. فمن المجتمعات من يحرص الرجل فيهم على التنطّق بخنجر في حزامه ظاهرا للعيان، أو أن يكون عظم الشوارب مقياس للرجولة و درجتها. مجتمع آخر يكون فيه لثام الوجه هو الرمز، أو ريشة نسر يرشقها الرجل عي عصابة رأسه. أو سيارة "ماكسيما" تخترق قوانين الذوق والمرور.

في مجتمعنا الليبي، تعدّدت رموز "الرجولية" عبر السنين تخبو بعضها لتظهر رموز أخرى جديدة تلائم مستجدات العصر.

و لأن المجتمع استوعب الكثير من رموز الرجولة و ميّعها حتى أمست لا معنى لها ، و لا تصلح للتفريق بين الرجل و المرأة مثل قيادة السيارات، أو تربية الشوارب أو قصّة الشعر أو حتى شكل الملابس لكل هذا؛ ظهر أهميّة تخليص المجتمع من هذه الميوعة المستشرية و ايجاد بديل رجولي لا يتحصّل عليه إلا "التريس المحصحصة"، فكان الهاتف المحمول. و كان اختيار موفّقا. فهو خفيف الحمل ، تتناقله الأيدي بسهولة، ظاهر للعيان و طنينه كاف للفت الانتباه، وإغاظة أي حاسد مثلي يتعمّد تجاهله. ثم جُعل منه أمرا عزيز المنال بخطة ذكيّة قصرته على فئة قليلة، تلك التي تملك منصبا أو موقعا رجوليا، أو من يستطيع أن يدفع فيه مهرا عاليا.

و نجحت الخطة..

و أصبح النقال رمزا للرجولة الحقيقية، اعترفت به فئات المجتمع طوعا أو كرها، عن و عي أو غير وعي، و غطّى و بسهولة على جميع الرموز الأخرى. النقال الآن هو المعيار، فإذا دخلت مكانا و لم تجد الترحاب الذي تظن أنك تستحقه؛ فسبب ذلك عدم حملك للنقّال، و إذا راجعت موظفا في أمر و أشار عليك بالرجوع غدا ، فلا تلمه و لا تلم الروتين، إنه فقط افتقادك للنقال، و اذا اقتربت من فتاة متودّدا فرمقتك باحتقار رغم وسامة وجهك و بهاء طلعتك، فاعلم من تلوم. قد يقول القائل، إنه أمر طبيعي لا علاقة له بالرجولة ، في عصر اتّسم بطغيان المادة؛ يقوم الناس بتقييمك حسبما تملك من متاع زائل و ليس حسبما أنت عليه من خلق و دين أو ثقافة و علم. لا .. لا أظنّ، فأنا أملك حاسوبا محمولا ثمنه ضعف ثمن النقّال، ألوّح به أمام الناس بمناسبة و بدونها، و لا أجد منهم إلا عين غابطة أو حاسدة، و لكن قط لم أر منهم من يسترجلني.

هو رمز رجوليّ، امتدّ و تغلغل حتى في غناء الفتيات في الأعراس، فبعد أن كنّ يغنّين : "يا يُمّا العين تريده ... ضابط جيش عصاته في ايده" تغّيرت الكلمات و صارت "يا يُمّا العين تريده ... متشي و الموبايل ف ايده"، و زدن: "مهبولة و نزيد هبال ... وين يطلبني من نقّال". حتى موروثنا الشعري تتبدّل كلماته؛ فيتحسّر الرجل منّا و يقول: "صابع ليمنة الاثنين راحوا حنّة ... و باش نضرب النقّال وقت الرنّة" بدل "المقرون" ، و تغيّرت التفسيرات أيضا فالشاعر الذي قال: "النجع اللي فيه لواليب .. دوازين يجيبوا في الراي" ، فسّرت الدوازين بأنّها أجهزة الهاتف المحمول.

و مع صعود هذا الرمز و تفشّيه، بانت في المجتمع ظاهرة أخرى مرافقة تراها واضحة أمام المقاهي و في نواصي الشوارع. الشباب اللذين لن تطول أيديهم هذا النقال، استعاضوا عنه برمز آخر تشبيهي، اخترعته رجولتهم التي جرحت في بداية مشوارها، هذا الرمز تمثل في كوب قهوة ورقي، يحمله الشاب في يده، يسير به من مكان لآخر، و لا يفارق الكوب يده حتى و ان فرغ. لذلك لا تستغربوا اذا وجدتم شابا يقرّب كوب القهوة من أذنه بدلا من شفتيه، انه سوء فهم فقط بين المخيّلة و الواقع و لم تحسن مراكز الأعصاب التنسيق بينها و بين أعضاء الجسد. و عموما حتى من يملكون نقالا حقيقيا يقعون في أخطاء مشابهة.

ألا زلتم تشككون بأنها مسألة رجولة؟ أنا لا أزال مصرّا على أنها كذلك ..

حتى أدلّل على كلامي هذا: هل رأيتم إمرأة تحمل نقالا؟ أعنى إمرأة تخاف على سمعتها، و تحسب لكلام الناس! تماما مثلما يندر أن ترى امرأة تدخّن في مكان عام، أو أن ترى فتاة تقود سيارة صحراوية، أو ترتاد مقهى، أو ترتدي سترة مع ربطة عنق! لأنها إن فعلت فستكون أمام أعين الناس إما إمرأة سيئة السمعة، أو إمرأة مسترجلة ، أو على أحسن الظنّ مثقفة خارجة عن المألوف و تستعدي المجتمع. طبعا الكثيرات منهن ليس كذلك، و لكن قد نجد بعضهن يتعمّدن استخدام هذه الرموز كمحاولة في الاتجاه الخاطئ للدلالة على تساويهن بالرجل. ما أردت قوله أن المرأة تتجنب امتلاك الهاتف المحمول؛ و إن قدرت عليه، حتى لا تُخدش أنوثتها و يُتّهم حياؤها, باسخدامها لرمز ذكوري.

و عودة للخطة الذكية، و لأن "الرُجلة تحضر و تغيب"؛ تم أخيرا استدراك الأمر و استحداث نقّال من نوع آخر، هاتف محمول ذو رجولية مؤقتة تعبّأ في بطاقات، صلاحياتها تنتهي بحسب عدد المكالمات أو المدة الزمنية للبطاقة، فإذا انتهت صلاحية البطاقة في محمول أحدهم، باتت رجولته منقوصة، رجولة تستقبل فقط، و قد يتحدّاه آخر فيقول له: "كانك راجل كلّمني".

اننا في مجتمع غير متفسّخ، و للرجولة فيه قيمة عالية لا زلنا نتمسّك بها، و أعتقد ان الرجل الحقيقي إما أن يكون رجلا أمام الناس أو لا يكون، لا مجال لبين بين. لهذا اطلب منكم أن تتفهّموا حزني و قهري المستمرّين ، و أن تساندوني في قراري بأن استقطع من معاشي و معاش عائلتي و من جلدي قدر ما أستطيع؛ حتى أوفّر ثمن هذا النقّال، و رجائي أن لا أصاب بخيبة أمل فيتّم تخفيض ثمنه حسب الشائعات المغرضة التي يتم تناقلها هذه الأيام ، و إني و في هذه المناسبة أرفع صوتي عاليا مطالبا بزيادة سعره ، أو على الأقلّ ابقاؤه كما هو عليه الآن، و عدم تمييعه لكلّ من هبّ و دبّ. و اعذروني في ذلك ؛ فإنها مسألة رجولة.

 

Shagrouni 2002 Khaled Shagrouni khaled@shagrouni.com